الذهبي

544

سير أعلام النبلاء

من ورائه أقول ، وأنتم تطرونه وهو مغرور بكم ، فيا قاضي ، هل بلغك أن الخمر تباع جهارا ، وتمشي الخنازير في الأسواق ، وتؤخذ أموال اليتامى ؟ فذرفت عينا الملك وأطرق ، وفهم الدهاة طمع ابن تومرت في الملك ، فنصح مالك بن وهيب الفيلسوف سلطانه ، وقال : إني خائف عليك من هذا ، فاسجنه وأصحابه ، وأنفق عليهم مؤنتهم ، وإلا أنفقت عليهم خزائنك ، فوافقه ، فقال الوزير : يقبح بالملك أن يبكي من وعظه ، ثم يسئ إليه في مجلس ، وأن يظهر خوفك ، وأنت سلطان : من رجل فقير ، فأخذته نخوة ، وصرفه ، وسأله الدعاء ( 1 ) . وسار ابن تومرت إلى أغمات ، فنزلوا على الفقيه عبد الحق المصمودي ، فأكرمهم ، فاستشاروه ، فقال : هنا لا يحميكم هذا الموضع ، فعليكم بتينمل ( 2 ) فهي يوم عنا ، وهو أحصن الأماكن ، فأقيموا به برهة كي ينسى ذكركم . فتجدد لابن تومرت بهذا الاسم ذكر لما عنده ، فلما رآهم أهل الجبل على تلك الصورة ، علموا أنهم طلبة علم ، فأنزلوهم ، وأقبلوا عليهم ، ثم تسامع به أهل الجبل ، فتسارعوا إليهم ، فكان ابن تومرت من رأى فيه جلادة ، عرض عليه ما في نفسه ، فإن أسرع إليه ، أضافه إلى خواصه ، وإن سكت ، أعرض عنه ، وكان كهولهم ينهون شبانهم ويحذرونهم ( 3 ) وطالت المدة ، ثم كثر أتباعه من

--> ( 1 ) " وفيات الأعيان " : 5 / 48 - 50 . ( 2 ) كذا الأصل بلام واحدة ، وكذا هي عند ابن خلكان ، وضبطها بكسر المثناة من فوقها ، وسكون الياء المثناة من تحتها ، وبعدها نون ، ثم ميم مفتوحة ولام مشددة ، وتكتب في المصادر المغربية تينملل بلامين ، وسترد بعد قليل بلامين ، وقد كتب فوقها في الأصل " صح " . ( 3 ) في " الوفيات " : 5 / 51 : وكان يستميل الاحداث وذوي الغرة ، وكان ذوو العقل والحلم من أهاليهم يحذرونهم من اتباعه ، ويخوفونهم من سطوة الملك . . .